اسد حيدر
182
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
شهادة أحد ولا قدم للخطابة والإمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب ، وأفتى فقهاء الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها . يقول الأستاذ عبد المتعال الصعيدي أحد علماء الأزهر في كتابه « ميدان الاجتهاد » : « فلما رأى بنو العباس أن وسائلهم في القهر لا تجديهم ، أرادوا أن يأتوا الناس من باب التعليم ، فيتولوا أمره بأنفسهم ، ليربوا العلماء على الخضوع لهم . ويملكوهم بالمال من أول أمرهم ، وكانت الأمة هي التي تتولى أمر التعليم بعيدا عن الحكومة ، كما تتولاه الآن الأمم الراقية في أوروبا وأمريكا ، فيقوم في المساجد حرا لا يخضع لحكم ملك أو أمير ، ويتربى العلماء بين جدرانها أحرارا لا يراقبون إلا اللّه في عملهم ، ولا يتأثرون بهوى حاكم ، ولا تلين قناتهم لطاغية أو ظالم ، فأراد بنو العباس أن يقضوا على هذا التقليد الكريم ، ويتولوا بأنفسهم أمر التعليم بين المسلمين ، فأخذوا ينشئون له المدارس بدل المساجد ، ويحبسون عليها من الأوقاف الكثيرة ما يرغب العلماء فيها ، ويجعل لهم سلطانا عليهم ، وأخذت الممالك التابعة لهم تأخذ بهذا في سنتهم ، حتى صار التعليم خاضعا للحكومات بعد أن كان أمره بيد الرعية ، وكان لهذا أثره في نفوس العلماء ، فنزلوا على إرادة الملوك ولم تقو نفوسهم على مخالفتهم في رأيهم ، أو توجيه شيء من النصح إليهم ، وكانت المدرسة البيهقية أول ما أنشئت من تلك المدارس ، وهي منسوبة إلى البيهقي المتوفى سنة 450 ه - ثم أنشئت بعدها المدرسة السعيدية بنيسابور ، أنشأها الأمير نصر بن سبكتكين ، ثم أنشئت بعدها النظامية ببغداد أنشأها الوزير نظام الملك سنة 459 ه - وقد احتفل بافتتاحها احتفالا عظيما . . . » . إلى أن يقول : « ثم جاء صلاح الدين الأيوبي لمصر ، فقام بإنشاء المدارس فيها للتعليم ، وأنشأ المدرسة الناصرية لتعليم مذهب الشافعي سنة 566 ه - ثم أنشأ المدرسة الصلاحية بالقرافة الصغرى سنة 572 ه - بجوار الإمام الشافعي وجعل لناظرها أربعين دينارا في كل شهر ، ورتب له في كل يوم ستين رطلا من الخبز وراويتين من ماء النيل ، ثم أنشأ مدرسة أخرى بجوار المشهد الحسيني ، وجعل دار العباس العبيدي مدرسة للحنفيين » . وكان صلاح الدين يقصد من هذه المدارس كلها إلى إحياء مذهب أهل السنّة